محمد حسين علي الصغير
193
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
كفرهم به ، وهم بذلك يجانبون الصواب إذ يسرون الاعتراف بجلالة القرآن وعظمة بيانه نظما وتأليفا ، ويظهرون الادعاء الكاذب بأنه سحر تغريرا بالآخرين ، إبقاء على سيطرتهم ونفوذهم ، فمتى ما استبصرت الناس بالهدى ، أفلتت من قبضة قريش وحلفائها واتجهت نحو القرآن وهدايته ، وفي ذلك توجه لجماهير الناس باتجاه مغاير لاتجاه المشركين ، وهذا ما يحدبون مكافحته ومناهضته ، فيحكي القرآن فحوى اعتراضهم الهزيل الذي نادوا به وهو إنزال القرآن على رجل من القريتين عظيم ، والقريتان مكة والطائف فيما يقال ، وأحد العظيمين عروة بن مسعود الثقفي ، وكان عظيم أهل الطائف في أشهر الأقوال ، ومن أهل مكة الوليد بن المغيرة المخزومي ، وقيل غير ذلك « 1 » . ولم يذكر القرآن صفة أحدهم ، ولا نص على اسم واحد منهم ، ليتعدى القرآن بذلك الحدود الشخصية إلى الحكم الكلي ، والدلائل الافرادية إلى المعنى العام ، فالقرآن في أغلب أحاديثه يسرد القضية ويريد لازمها ، ويذكر الحادثة ويقصد دلالتها ، لا يهمه تحديد الأشخاص والأعيان ، لأنه يتجاوز حدودهم إلى حدود المثل والعظة والعبرة ، فالقضية المجردة عن التشخيص ذات دلالة شاملة ، والقرآن يريد الشمولية لنصوصه ، وهو ما يمتاز به عن أي نص أدبي . ولنأت على العظمة المدعاة ، إنه لتناقض عجيب بين عقلية هؤلاء وقيم هذه الرسالة ، فهم يتطلعون إلى العظمة بمنظار ضيق ساذج لا يتعدى حدود المال والجاه والثروة ، ولا يتجاوز مقاييس الدماء والتفاضل القبلي ، بينما ينظر القرآن لها بمنظار آخر ، فكل عظيم - بادئ ذي بدء - يتلاشى بالقياس إلى عظمة اللّه تعالى ، ولا مقايسة متوازنة في ذلك لأنه مبدع العظماء بحدودهم المعينة ، ومنشئ العظمة بأبعادها البشرية ، والعظمة لا تتحقق بقيم عشائرية ، يغلب عليها التعصب حينا ، ويواكبها شبح الأثرة والتسلط حينا آخر . العظمة تنطلق بصفات لا تدرك ، ومزايا من الخلق لا تطاول
--> ( 1 ) ظ : الطبري ، التفسير : 25 / 40 .